خليل الصفدي
229
أعيان العصر وأعوان النصر
وهو شيعي عاقل لم يحفظ عنه سب بل نظم في فضائل الصحابة . وكان حلو المجالسة ذكيّا عالما فيه اعتزال وينطوي على دين ، وإسلام ، وتعبد على بدعته ، وترفض به ناس من أهل القرى . قال الشيخ تقي الدين بن تيمية - رحمه اللّه تعالى - : هو ممن يتشيع به السني ، ويتسنن به الرافضي . وكان يجتمع به كثيرا ، وقيل : إنه رجع آخر عمره عن أشياء . نسخ « صحيح البخاري » ، وكان ينكر الجبر ، ويناظر على القدر . وتوفي في السادس عشر من صفر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة . ومولده سنة خمس وثلاثين وستمائة . قلت : لما كان يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة خمسين وسبعمائة ، أحضر صلاح الدين محمد بن شاكر الكبتي بدمشق إلى شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه اللّه تعالى - كتابا في عشرين كراسا قطع البلدي في ورق جيد ، وخط مليح سماه مصنفه « الطرائف في معرفة الطوائف » افتتحه بالحمد للّه ، وشهادة أن لا إله إلا اللّه فقط . وقال بعد ذلك : أما بعد فإنني رجل من أهل الذمة ، ولي على الإسلام حرمة فلا تعجلوا بسفك دمي قبل سماع ما عندي ثم أخذ في نقض عرا الدين عروة بعد عروة ، وأورد أحاديث ، وتكلم على متونها ، وتكلم في جرح الرجال ، وطعن عليهم كلام محدث عارف بما يقول ، وذكر أمورا دلت على زندقته ، وتشيعه ، وختم ذلك بأن قال : وللّه القائل : ( الطويل ) فإن كنت أرضى ملّة غير ملّتي * فما أنا إلا مسلم أتشيّع وشهد صلاح الدين المذكور ، وآخر من أهل الحديث المعروفين بأن هذا خط شمس الدين السكاكيني فظهر من ذلك أنه تصنيفه لأنه قال في فهرست الكتاب المذكور : تصنيف عبد المحمود بن داود المصري ، وقال شيخنا عماد الدين بن كثير : الأبيات التي كتبت للشيخ تقي الدين أولها : أيا معشر الإسلام ذمي دينكم ، وقد ذكرتها أنا في ترجمة الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي كاملة لهذا السكاكيني فقطع شيخنا قاضي القضاة هذا الكتاب الملعون ، وغسله ، وحرقه قال - رحمه اللّه تعالى - : أخذته معي إلى بستان لأنظر فيه ، ونويت تقطيعه ، وغسله ثم إنني انتبهت في الليل ، وقلت لنفسي : لعلك يا علي لا تصبح غدا فقمت في الليل وقطعته ، وغسلته قلت : واللّه اعلم بحقيقة حال هذا الرجل ، ولكن الذي ظهر لنا أنه كان متزندقا غير مسلم . وقالوا : إن قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم رجع من جنازته .